الأول : لا شك أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن خائفاً بل هو الذي كان يقود الجيش كما أنَّ قتاله مع معاوية في صفين رغم صغر سنِّه أدلّ دليل على شجاعته
وإنطلاقاً من هذا نجيب إنَّ مقرَّ الإمام الحسن عليه السلام كان في الكوفة ومعاوية في الشام فمعاوية أرسل جيشاً عظيماً لمحاربة الإمام عليه السلام والإمام أيضاً واجهه بجيش عظيم يقول أبو الفرج الإصفهاني بهذا الشأن :"وكان أول شيء أحدثه الحسن(ع) أنه زاد المقاتلة مائة مائة وكان علي (ع) فعل ذلك يوم الجمل وفعله الحسن حال الاستخلاف "
"من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله جل جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنةً للمؤمنين... إلى أن قال: فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يامعاوية على أمر لست من أهله لابفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه.... فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين.. وإن أبيت إلا التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين".وعندما أعلن الجهاد خطب (ع) في الناس وقال:
"أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد: إصبروا إن الله مع الصابرين، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحركَ، لذلك أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون"
2- أن يكون الأمر من بعده للإمام الحسن عليه السلام فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين عليه السلام وليس لمعاوية أن يعهد بعده لأحد
3- أن يترك سبّ أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه بالصلاة وأن لايذكره إلا بخير (أمر معاوية بعكسه )
4- إستثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف درهم فلا يشمله تسليم الأمر وعلى معاوية أن يحمل كل عام الى الإمام الحسين (ع) ألفي ألف درهم وأ ن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم
5-على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وأن يؤمن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية مايكون من هفواتهم وأن لايتبع أحداً بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة وعلى أمان أصحاب علي عليه السلام حيث كانوا وأن لا ينال أحداً من شيعة علي عليه السلام بمكروه ...الخ
وهكذا أمام هذه البنود اُحرج معاوية مع الوقت مما دفعه إلى قول قولته الشهيرة التي فضح فيها نفسه فقال :
"لا أريد منكم الصلاة فسواء عليَّ أصليتم أم لم تصلُّوا إنَّما أريد أن أتحكَّم عليكم ثمَّ مزق قرار الصلح".هنا اتَّضح أمر معاوية لعامَّة المسلمين الذين كانوا يعتقدون بأنَّه بالفعل خليفة رسول الله هؤلاء الذين اشتبه عليهم الأمر فكانوا يظنون بمعاوية خيراً فإذا بكاتب الوحي!! وخال المسلمين !! ومحب الدين!! قد كفر بربِّ العالمين!!وهنا لا باس لتوضيح الصورة من ذكر بعض الحورات التي دارت بين الإمام (ع) ولائموه
قال ابن قتيبة : « لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق وانصرف راجعاً إلى الشام أتاه سليمان بن صرد وكان غائباً عن الكوفة وكان سيد أهل العراق ورأسهم فدخل على الحسن فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال الحسن: وعليك السلام اجلس لله أبوك قال: فجلس سليمان وقال: أما بعد فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك بقية في العهد ولا حظاً من القضية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت وأعطاك ما اعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليك بذلك كتاباً وأشهدت عليه شهوداً من أهل المشرق والمغرب أن هذا الأمر لك من بعده كان الأمر علينا أيسر ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله ثم قال: وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت إني كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات ومنيتهم أماني إرادة اطفاء نار الحرب ومداراة لهذه الفتنة إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا فان كل ما هنالك تحت قدمي هاتين والله ما عني بذلك إلاّ نقض ما بينك وبينه فأعدّ للحرب خدعة واذن لي أشخص إلى الكوفة فأخرج عامله منها وأظهر فيها خلعه وأنبذ إليه على سواء ان الله لا يهدي كيد الخائنين ثم سكت فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته وكلّهم يقول: إبعث سليمان بن صرد وابعثنا معه ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله وأظهرنا خلعه فتكلم الحسن (ع) فحمد الله ثم قال:أما بعد فانكم شيعتنا وأهل مودتنا ومن نعرفه بالنصيحة والاستقامة لنا وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا اعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة ولكان رأيي غير ما رأيتم ولكنّي اشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلاّ حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله وسلّموا الأمر لله والزموا بيوتكم وكفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر انّ الله لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وأما قولك: يا مذل المؤمنين فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا فان رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا وسألنا الله العون على أمره وان صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا فليكن كل رجل منكم جلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حياً فان يهلك ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»
وروى الحاكم قال: «قام رجل إلى الحسن ابن علي (ع) فقال: يا مسوّد وجوه المؤمنين!! فقال الحسن: لا تؤنبني رحمك الله فان رسول الله (ص) قد رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ونزلت ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر) تملكها بنو أمية
وروى أيضاً :أتى مالك بن ضمرة الحسن ابن علي فقال : السلام عليك يا مسخّم وجوه المؤمنين قال: يا مالك لا تقل ذلك اني لما رأيت الناس تركوا ذلك إلاّ أهله خشيت أن تجتثوا عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين في الأرض ناعي فقال: بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض
وروى الحمويني قال: لما صالح الحسن بن علي (ع) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال : ويحكم ما تدرون ما عملت؟ والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أوغربت ألا تعلمون أني إمامكم ومفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (ص) علي؟ قالوا: بلى ثم
قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً أما علمتم أنه ما منا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه فان الله عزّ وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج وذلك التاسع من ولد أخي الحسين وابن سيدة الاماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شباب دون أربعين سنة وذلك ليعلم أنّ الله على كل شيء قديرٌ ( وهذا نصّ من أهم النصوص التي علينا التأمل فيها لفهم صلح الإمام (ع) مع معاوية )



