الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

في رثاء الحسين للشيخ محمد جواد البلاغي





رثاء الحسين (ع) - الشيخ محمد جواد البلاغي

يا تريب الخدّ في رمضا الطفوف *** ليتني دونك نهباً للسيوفْ
يا نصير الدين إذ عزّ النصير *** وحِمى الجّار إذا عزّ المجيرْ
وشديد البأس واليوم ِعسير *** وثمال الرِّفد في العام العسوفْ
كيف يا خامي أصحاب الكسا *** وإبن خير المرسلين المصطفىْ
وإبن ساقي الحوض في يوم الظما *** وشفيع الخلق في اليوم المخوفْ
يا صريعاً ثاوياً فوق الصعيد *** وخضيب الشيب من فيض الوريد
سيدي أبكيك للشيب الخضيب *** سيدي ابكيك للوجه التريبْ
سيدي ابكيك للجسم السليب *** من حشا حرّان بالدمع الذروفْ
سيدي إن منعوا عنك الفرات *** وسقوا منك ظماء المرهفاتْ
فسنسقي كربلا  بالعبرات *** وكفا من علق القلب الأسوفْ
سيدي أبكيك منهوب الرحال *** سيدي ابكيك مسبيّ العيال
سيدي إنْ نقضِ دهراً في بكاك *** ما قضينا البعض من فرض ولاك
أو عكفنا عمرنا حول ثراك *** ما شفا غلتنا العكوف
يا حمانا من لنا بعد حماك *** ومن المفزع من أسر عداك ؟
ولمن نلجأ إن طال نواك *** ودهتنا بدواهيها الصروف ؟
يا حمانا من لأيتام صغار *** ومذاعير تعادي بالفرار ؟
أفترضون لنا ذلّ السبا *** وعناء الأسر ما بين الألوف ؟
أفنسبى بعدكم سبي العبيدْ *** ثم نُهدى من عنيد لعنيد ؟   

وظيفة مجالس العزاء





وظيفة مجالس العزاء

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

إن الله تعالى وعد المسلم بالأجر والثواب على أي عمل شرعي واجب أو مستحب يمارسه مع توفر شرط الإخلاص وهذا لاشك فيه ابداً وسيتضاعف هذا الأجر بالتأكيد مع توفر الوعي وتوظيف هذا العمل على مستوى الحياة وجنيّ ثماره والولوج إلى أسراره لكي لا تنحصر فائدة هذا العمل بما بعد الموت وإنما يلحظ فيه ايضاً ما قبل الموت
أن يصلي المسلم مخلصاً لله فهذا له أجره عند الله وهذا الأجر سيتضاعف إذا نهته صلاته هذه عن الفحشاء والمنكر وكذا في سائر التكاليف الشرعية والمستحبات
وبما أننا نعيش في هذه الأيام ذكرى عاشوراء حيث تكثر مجالس الإحياء لهذه المناسبة الأليمة والمفجعة لابد لنا من الإضاءة على وظيفة هذه المجالس
إن حضور مجالس العزاء والتواجد فيها مما أكد عليه أهل البيت (ع) وكانوا المبادرين لإقامتها ولقد حددوا بأنفسهم وظيفتها
قال الصادق (ع) :" أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا "
نفهم من خلال هذا النص أن لهذه المجالس وظيفة ليست بكائية فقط لإن البكاء يغذي الجانب العاطفي فيؤجج الحب ويقوي الرابط مع اهل البيت (ع) ولكن لايتحقق به وحده إحياء الأمر
روت بعض كتب السير أن الحوراء زينب (ع) كانت تواظب على إحياء مجالس العزاء بعد عودتها من السبي إلى المدينة فعمد النظام الأموي إلى نفيها وإبعادها من المدنية فذهبت إلى الشام أو إلى مصر (على إختلاف في الروايات ) فدفنت هناك فهل كانت زينب (ع) تجلس في زاوية بيتها مع بضعة نساء وتبكي فقط بالتأكيد لا فلو لم تُقلق هذه المجالس النظام الحاكم لما إتخذ خطوة الإبعاد
ولا يُفهم من كلامنا اعلاه أنه لا أهمية للبكاء بالعكس تماماً فالبكاء قد يصبح في وقت من الأوقات موقف يُعبر من خلاله عن رفض الظلم والقهر كموقف الزهراء (ع) بعد وفاة أبيها
وما أريد الإضاءة عليه أن لمجالس العزاء وظيفة سياسية فهي مجالس للشحن الثوري ولبث الوعي السياسي وفهم ما يجري من حولنا وماذا يراد لنا وما هو الموقف الواجب إتخاذه كي لا يصيبنا ما أصاب الأمة الإسلامية في عام 60-61 للهجرة فلكربلاء مظهر سياسي
لمجالس العزاء وظيفة اخلاقية تُستلهم من الأخلاق التي تجسدت في أنصار الحسين واهل بيته (ع) رجالاً ونساءً وشباباً وشيباً لكربلاء ايضاً مظهر أخلاقي
مجالس العزاء ليست فقط مجالس إنكسار وحزن ففي كربلاء تتمظهر مواقف العز والإباء والفخر والشجاعة
نحن نظلم كربلاء عندما نسلبها كل هذه المظاهر ونختصرها في جانب واحد فقط  هذه بعض من الوظائف التي يجب علينا إستحضارها عندما نتواجد في هذه المجالس المباركة والأهم إستحضارها في حياتنا اليومية على مدار الزمان وفي حدود المكان لكي يتجسد فينا شعار
كلا يوم عاشواء وكل أرض كربلاء

أسألكم الدعاء
كفعمي العاملي 

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

في رثاء الإمام الحسين (ع) للسيد عبد الرزاق المقّرم رحمه الله





بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

قصيدة رائعة في رثاء الإمام الحسين عليه السلام للسيد عبد الرزاق المقّرم رحمه الله

خذوا الماء من عيني والنار من قلبي *** ولا تحملوا للبرق ِ منّاً ولا السُحب ِ
ولا تحسبوا نيران وجدي تنطفي *** بطوفان ذاك المدمع ِالسافح ِ الغرب ِ
ولا أنّ ذاك السيل يبردُ غلتي *** فكم مدمع صبّ لذي غلّة ٍ صبِّ
ولا أنّ ذاك الوجدَ مني صبابة ً*** لغانية عفراء أو شادن ترب ِ
أأنسى وهل ينسى رزايكم التي *** البّت على دين الهداية ذولب ؟
أأنساكم حرّى على القلوب الظما *** تذادونَ ذود الخمص ِعن سائغ الشرب ِ
أأنسى بأطراف الرماح رؤوسكم *** تطلع كالأقمار في الأنجم الشهب ِ؟
أأنسى طراد الخيل فوق جسومكم *** وما وطأت من موضع الطعن والضرب ِ
أأنسى دماً قد سُفكن وأدمعاً *** سُكبن وأحراراً هتكن من الحجب ِ
أأنسى بيوتاً قد نُهبنَ ونسوةٌ *** سُلبن وأكباداً أذبنَ من الرعب ِ؟
أأنسى إقتحام الظالمين بيوتكم *** ترّوع آل الله بالضرب ِ والنهب ؟
أأنسى لكم في عرصة الطف موقفاً *** على الهضب كنتم في أرسى من الهضب ِ
تشاطرتموا فيه رجالاً ونسوة *** على قلة الأنصار فادحة الخطب ِ
فأنتم به للقتل والنبل والقنا *** ونسوتكم للأسر والسبي والسلب ِ
وتنعى فتشجي الصمّ زينبُ إذ نعت *** وتصدع شكواها الرواسي من الخطب ِ
فيا مدركي الأوتار ِ حتى م صبركم ***  وأوتاركم ضاقتْ بها سعة الرحب ِ ؟

كربلاء ليست شعارات




كربلاء ليست شعارات
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح حول ثورة كربلاء فهناك أمور قد يجدها البعض غريبة فتستفزه لمعرفتها نتوقف مثلاً عند خروج الحسين (ع) من مكة حيث تبعه الألوف ومن ثم تفرقوا عنه لماذا ؟!
وأيضاً كيف يبايع الألوف مسلم بن عقيل ومن ثم يتفرقوا عنه يميناً وشمالاً وينكثوا بيعتهم لماذا ؟!
أين أصحاب الرسائل الذين دعوا الحسين(ع) للقدوم ؟!
للإجابة عن مثل هذه الأسئلة  لابد ان نلقي أولاً نظرة على الوضع الإجتماعي والسياسي في ذلك الوقت لقد مارس النظام الأموي منذ إستلام معاوية الحكم أربعة اساليب كان من الطبيعي معها أن يصل المجتمع للحالة المزرية التي وصل إليها
1-أسلوب الإغراء بالمتع واللهو كالغناء والجواري والخمر وهدف من وراءه إلى تمييع المجتمع فتفشى الإنحلال 
2- اسلوب الإغراء المادي من خلال شراء الذمم بالمال وتوزيع المناصب والمنافع الدنيوية على الناس
3- أسلوب القمع والقتل والتنكيل لكل من يرفض او يقاوم
4- أسلوب التشويه الإعلامي والعقائدي وهو أخطرها
إذا من الطبيعي أن تكون النتيجة أن هذا المجتمع سيصيبه الإنحلال وسيركن الناس إلى الدنيا وطلب النجاة إن الألوف الذين خرجوا مع الحسين (ع) من مكة إنما خرجوا في حقيقة الأمر طلباً للمنافع والمكاسب الدنيوية وعندما رأوا أن موقف الحسين (ع) جاد ومبدئي ولا يتسم بالمناورة وان الحسين (ع) سيسير بهم في طريق مملؤة بالتضحيات والدماء والشهادة تفرقوا عنه لإن هذا خلاف ما عايشوه إجتماعياً
في قضية مسلم بن عقيل قد يختلف الأمر بعض الشيء فمن بايعه كانوا ينشدون الثورة ولكن ثورتهم كانت عاطفية ولم تكن مفاهيم الثورة متأصلة في تفوسهم كانوا ينشدون ثورة يتحقق فيها النصر بسهولة بلا ثمن بدون تضحيات ودماء كانوا بمصطلح هذه الأيام ينشدون ثورة مخملية كانوا مراهقين ثوريين إنفضوا عن مسلم بن عقيل عندما سمعوا ان هناك جيشاً عرمرماً قادماً من الشام فآثروا السلامة
إن ما يميز أنصار الحسين(ع) الذين ثبتوا معه أنهم كانوا يمتلكون مناعة اخلاقية ضد كل الإغراءات كانوا يمتلكون وعياً سياسياً كانت أهدافهم واضحة وطريقهم واضح يعلمون ماذا يريدون وماذا ينتظرهم
مما تقدم أعلاه نفهم ولا نستغرب اسباب موقف عمر بن سعد في آخر مفاوضات له مع الحسين(ع) عندما عرض عليه العروض قال عمربن سعد : داري في الكوفة يهدمونها
قال الحسين (ع) :نعوضك داراً أحسن منها
فأجاب : ضيعتي يأخذونها
فقال له (ع) : نعوضك بضيع أخرى
تأملوا أصبح بالنسبة لعمر بن سعد مصير الإسلام في كفة وداره وضيعته في كفة  أصبح ملك الري عنده دنياه وآخرته هذه هي الثقافة التي زرعها النظام الأموي في النفوس طلب الدنيا والدعة والأمان ولكن ماذا كانت النتيجة الحقيقية ؟ لقد خسر عمر بن سعد دنياه وآخرته
هذه هي ثقافة معاوية وبني أمية بالمقابل ما هي ثقافة علي واهل البيت (ع)
"الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين "
هذا ما كان في عام 61 للهجرة وهذا ما هو كائن اليوم نفس أساليب الإغراء تتكرر اليوم هي نفسها الثقافة الأموية ولكن بلبوس آخر وأشد خطورة
أليست هي الأساليب نفسها التي تغزو مجتمعاتنا ؟
اليس هذا مايعرضه ويمارسه الغرب والأنظمة التي تدور في فلكه ؟
ما العمل ؟ وكيف نواجه ؟ وبماذا نتسلح لنواجه ؟
الطريق واضح والسلاح متوفر طريقنا نهج الحسين (ع) وانصاره وسلاحنا ثورة كربلاء بدروسها ومفاهيمها ومن يعتقد بغير هذا سيكون مصيره مصير عمر بن سعد من يعتقد أنه بالركون إلى الدنيا وطلب الراحة والأمان سيحصل عليه فهو واهم
نحن نعيش اليوم في خضم مواجهة عنيفة وقاسية علينا ان نتسلح بأخلاق كربلاء ووعي كربلاء والإستعداد لتقديم كل التضحيات هذا هو المعنى الحقيقي لشعار
" كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء "
فالحسين (ع) واهل بيته وأصحابه أستشهدوا ليس من أجل ان نحفظ هذه الشعارات عن ظهر قلب ونرفعها على الرايات ونخطها على الجدران بل من أجل أن نعيشها ونقتدي بها الغريب ليس أن يكون هذا موقف عمر بن سعد الذي تشّبع بالثقافة الأموية ولكن الغريب أن يرتضي بالظلم والطغيان ويدعو للإختباء في زوايا المنازل وعدم تحريك ساكن من يرفع الشعارات الحسينية ويرسل دموعه مدررا على خديه ويُدمي نفسه
 بالله عليكم كيف يستقيم هذا ؟ وهل هذا ينسجم مع ثقافة كربلاء ؟
قال الله تعالى
 {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً }
الإستضعاف هو ثمرة الطغيان ويستحيل أن يشيع الظلم والطغيان بدون قبول وخنوع له ورضا به  
نسأل الله تعالى أن نكون ممن قولهم فعلهم
كفعمي العاملي 
أسألكم الدعاء 

الاثنين، 19 نوفمبر 2012

في خضم عاشوراء




في خضم عاشوراء
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً
في البداية لا بد من الإشارة إلى عنوان المقال (في خضم عاشوراء ) فأول ما تبادر إلى ذهني أن أعنون المقال ( على أعتاب عاشوراء) عنوان بديهي يتوافق مع إقتراب العاشر من المحرم ولكن ما يتواتر من أخبار عن معاناة شعوب العالم المستضعفة نبّهني أن ثورة كربلاء تتخطى المكان والزمان
بعد أيام سيبدأ إحياء ذكرى عاشوراء وما جرى فيها من أحداث وجزئيات وعلى الشبكة العنكبوتية سيكثر الحديث عن الوقائع وتبادل الرسائل البريدية والتصاميم ...الخ ولكن القليل سيحدثنا كيف نستلهم من عاشوراء أحداثها ونجري ربط بينها وبين واقعنا المعاش وهنا الثغرة والهوة التي نعاني منها هناك خطوات ناقصة نفتقدها غالباً
إن من أوجب الواجبات هو العمل بعد العلم وقبل العلم لا بد من بذل الجهد لتحقيق الدراية في الحديث عن أنصار الحسين (ع) نلاحظ أنهم تميزوا أولاً بالدارية وثانياً بإختيار القيادة الحكيمة التي إستدلوا عليها تلقائياً من حسن درايتهم
وكي لا يبقى حديثنا في النظريات سنجري إسقاطاً على واقعنا المعاش من خلال طرح سوأل وجهه إلي البعض سابقاً
كيف نهتدي إلى القيادة الحكيمة والرشيدة ؟
بعيداً عن التعقيد وبكل بساطة أي قيادة نعرض سيرتها ونقارنها بسيرة أئمة أهل البيت (ع) مثلا بعضهم إما جهلاً أو عمداً لا يفهم حقيقة صلح الإمام الحسن (ع) فيحتج به ليضلل الجمهور والبسطاء بضرورة مهادنة الظلمة والركون إلى حياة الدعة والذل ويغفل أن صلح الحسن (ع) هو تأسيس لثورة الحسين (ع)
الإمام الحسن لم يصالح من أجل الركون لحياة الدعة والرفاهية كما يفعل بعض علماء السوء اليوم 
هذا البعض يغفل عن كل شعارات ثورة كربلاء
(هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك وحجور طابت وطهرت )
لو سألنا الإمام الحسين (ع) : هل نرضى يا مولاي ونصمت عم يجري في بلاد المسلمين من إرتكاب للمجازر وقتل للأطفال وهتك حرمة الحرائر وإذلال للأمة
برأيكم ما هو جوابه ؟
قال أمير المؤمنين (ع) : " الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين "
إن المشكلة منذ فجر التاريخ هي بثالوث فرعون وقارون وبلعم بن باعورا أي حاكم ظالم وأثرياء يخشون على دنياهم وعلماء سوء وعاظ للسلاطين
إن أهل الكوفة لم يكن ينقص قلوبهم الحب والولاء لأهل البيت (ع) بل الإنسجام مع هذا الحب والولاء كان ينقصهم التضحية بالأنفس والأموال وترك حياة الدعة والذّل
إن جهاد بعض الشعوب كشعب فلسطين ولبنان والبحرين هو حجة على سائر الشعوب التي تدعي إفتقاد إمكانيات الجهاد أو الثورة
يقول أمير المؤمنين (ع) : " الناس من خوف الذّل في ذّل "
إن الدعاء بتعجيل فرج آل محمد يجب أن يقترن بالعمل فالحجة (عج) لا يليق به قيادة العجزة والكسالى وهو غني عنهم من هو غير مستعد للتضحية اليوم بدنياه من أجل دينه قطعا لن يضحي بها عند ظهور القائم (عج)
أعلم أن كلامي هذا قد لا يروق للبعض ولكنه كلام حق لابد من قوله أعجب البعض أم لم يعجبهم
ألفتم الهوان حتى صار عندكم *** طبعاً وبعض طباع المرء مكتسب ُ
وفارقتم لطول الذّل نخوتكم *** فليس يؤلمكم خسف ولا عطبُ
كم بين صبرغدا للذلّ مُجتلباً *** وبين صبر غدا للعزّ يجتلبُ

اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنهم بعدوك وعدوهم
أسألكم الدعاء
كفعمي العاملي

ملاحظة : هذا المقال كتبته سابقاً في أحداث جرت في المملكة العربية السعودية وقد قمت بتعديل بعض أجزائه بما يتوافق مع الأحداث التي نعيشها حاليا  

الأحد، 18 نوفمبر 2012

قراءات في واقعة الطف




قراءات في واقعة الطف
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
سنحاول في هذا المختصر إستقراء بعض القراءات من واقعة الطف العظيمة نضيء من خلالها على بعض الجوانب فيها
· مفهوم الشهادة عند أصحاب الحسين (ع)
اول ما يطالعنا في كربلاء هي هذه الروحية الإستشهادية التي أعطت أبعاد عظيمة لها فمع حتمية الموت وفي ظروف غير متكافئة بين الجيش اليزيدي وجيش الإمام
كان قرار أصحاب الحسين(ع) التصميم على الإستمرار وكان شعارهم
" لو قتلنا ثم أحيينا ثم قتلنا يُفعل بنا هذا ألف مرة ما تركناك "
أضف إليه تخيير الإمام لهم " هذا الليل قد غشيكم فإتخذوه جملاً"
ولكن القرار كان الإستمرار حتى الشهادة من هنا نفهم معنى الوسام الذي قلده لهم الإمام بقوله
"
أصحابي خير الأصحاب "
· كربلاء محطة فاصلة
إن الأزمة الكبيرة التي واجهها الإسلام في زمن الإمام هي أن المسلمين إرتضوا حاكماً ظالماً فيه كل صفات الإنحراف والتي تخالف صريح آيات الله وتعاليم الإسلام بوضوح
وكان التغاضي عن هذا سيزيد بشكل كبير إنحراف الإسلام مما قد يؤدي إلى إندثاره فكانت كربلاء محطة فاصلة لتحديد الإتجاه وإرجاع البوصلة إلى مكانها الطبيعي
ولو أن الثمار والنتائج ستكون بعيدة الأمد وهذا بالظبط ما نجحت فيه ثورة كربلاء عبر كشف وفضح الظلم وإعادة الوعي للأمة ومن هنا نفهم معنى مقولة أن ثورة كربلاء حفظت الإسلام
فلقد أحيا الحسين (ع) بشعارته التي رفعها كطلب الإصلاح في أمة جده والعمل بالحق ورفض الباطل
كل هذا تجلى فيما بعد بالثورات المتلاحقة على الحكم الأموي بمعزل عن هذه الثورات وأن البعض قام بها لأهداف شخصية
ولكنه توسل هذه الشعارات ليصل إلى مبتغاه كثورة العباسيين
· لا تستوحشوا في طريق الحق لقلة سالكيه
من المعالم أن القلة المحقة واجهت الكثرة المنحرفة وهذه القلة ضحّت ولم يمنعها إبتعاد الناس عن طريق الحق فكان سيرها بعكس التيار وظاهرياً هذه القلة هزمت شر هزيمة في ساحة المعركة وفنيت عن بكرة أبيها
ولكن باطن الأمر أن هذه القلة زعزعت الكيان الأموي وأسست لمنهج حسيني إستشهادي إستنهض الأمة وثماره ما زلنا نقطفه ونجنيها حتى يومنا هذا كما يقول الإمام الخميني قدس سره
" أن كل ما عندنا هو من عاشوراء "
إن كل المآسي التي أصابت الشيعة عبر التاريخ كانت تستلهم الصبر من كربلاء لأن حجم التضحيات الحسينية المأساوية لا تضاهيها كل المآسي الأخرى مهما عظمت
فشعار لا يوم كيومك يا أبا عبد الله رافق الشيعة في مواجهة كل المصائب التي تلاحقت عليهم فكان يزيدهم هذا صلابة وتمسك بولائهم
ويندر أن نقرأ في التاريخ عن طائفة من الناس تعرضت لما تعرضت له الشيعة من تنكيل وتشويه وصمدت ولم تنقرض
وهذه واحدة من ثمار عاشوراء التي زرعها الحسين عليه السلام في عقول وقلوب مواليه

والحمد لله رب العالمين
كفعمي العاملي
أسألكم الدعاء 

السبت، 17 نوفمبر 2012

محاولة لفهم ثورة كربلاء





محاولة لفهم ثورة كربلاء
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
السوأل الذي نسعى للإجابة عليه في بحثنا هو كيف نستفيد من عاشوراء ؟ ومن البديهي أن المقدمة لهذا الأمر تكمن في ضرورة فهم ثورة كربلاء وأهدافها كما أرادها أهل البيت عليهم السلام
في البداية لابد من التأكيد أن عاشوراء هي مناسبة لا تخص الشيعة هي للمسلمين قاطبة لابل هي للبشر عموماً ولا مبالغة أو غلو في قولنا هذا إذا أحطنا ببعض مفاهيم الثورة الحسينية على الأقل
هناك صنف من المسلمين يفهم عاشوراء مناسبة للبس السواد والحزن والنياحة والبكاء فلنحرص على إستماع المجالس ونسمع السيرة ونبكي فنكسب من الثواب والحسنات ما شاء الله ثم نخرج في اليوم الثاني ونستأنف حياتنا الطبيعية ولم يطرأ اي شيء على سلوكنا ومفاهيمنا
هناك صنف آخر فعاشوراء لا تعني له شيء وهي مجرد إستعراض وسرد تاريخي روتيني يتكرر كل عام وكل ما يفهمه من  هذه الثورة أنه كان صراعاً على الحكم بين يزيد والحسين (ع) فهو مجرد صراع شخصي وأقصى ما يمكن أن يصل إليه فهمه أن الحسين (ع) ظُلم في هذا الصراع
وكما هو واضح فإنّ هذا يُعتبر تقزيم وتبسيط  لمفهوم الثورة الحسينية فعاشوراء هي صراع بين مدرستين مختلفتين وليس مجرد صراع شخصي لقد أراد الحسين (ع) ان تكون عاشوراء مناسبة لإحياء الإسلام وفهمه وضخ الدم في شرايينه على مرّ التاريخ لقد عايش الحسين (ع) بدايات الحكم الأموي الذي جعل مرتكزاته تشويه الإسلام وأفكاره ومعتقداته وإستغلال الناس وظلمهم والتنكيل بهم  وعمدوا إلى مرتزقة مدفوعي الأجر لإصطناع الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) وقتلوا خيرة أصحابه كانت فترة صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية فرصة لفضح الحكم الأموي وغاياته وهذه واحدة  من أبرز أهداف هذا الصلح ومع وصول الأمر إلى مستوى من الإنحراف وتخدير الأمة لا ينفع معه إصلاح كان تكليف الإمام الحسين (ع) الثورة وقال قولته الشهيرة " لم أخرج أشراً ولا بطراً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي " إذن قضية الحسين (ع) لم تكن من أجل حكم وكرسي ولا مسألة شخصية بل هي قضية الناس جميعاً وكرامتهم ومستقبلهم ومستقبل الإسلام  كانت إحتجاج دموي عنيف من أجل الإسلام والمسلمين من أجل البشرية وترسيخ مفاهيم العدالة وإحقاق الحق من إجل إيقاظ المجتمعات من غفلتها وتخديرها أنظروا إلى من ثار الإمام (ع)  من أجلهم لقد كانوا مقسومين إلى عدة أقسام قسم مقهور مغلوب على أمره ومحكوم لنظام قمعي بث الرعب في قلوبهم وقسم كان قادراً على التحرك ولكنه آثر السكوت والوقوف على الحياد وقسم جرّد سيفه ضد الحسين (ع) طمعاً بالدنيا وحطامها
فهل كان يليق بالحسين (ع) سليل النبوة السكوت والرضوخ لمثل هذه الأوضاع ؟ كلا وحاشى
ذكر أبو مخنف حوار دار بين إبن زياد ومسلم بن عقيل وهذا النص مهم جداً يكشف لنا خطورة الأوضاع التي وصل إليها الإسلام وكيفية إنقلاب المفاهيم وحجم التضليل لاحظوا ودققوا في مفردات الحوار بين الرجلين
" لما اُدخل مسلم على إبن زياد فلم يسلم عليه فقال الحرس : لما لم تسلم على الأمير
قال مسلم : اسكت ويحك ما هو لي بأمير
فقال ابن زياد : لا عليك سلمت أم لم تسلم فإنك مقتول
قال مسلم : إن قتلتني فلقد قتلَ من هو شر منك من هو خير مني
قال إبن زياد : إيه يابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جمع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض
قال مسلم : كلا لست كذلك إنما شق عصا الطاعة معاوية وإبنه يزيد وأما الفتنة فإنما لقحها أبوك زياد وأنت من بعده وان أباك قتل خيارهم وسفك دمائهم وعمل فيهم عمل كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمرهم بالعدل وندعوهم إلى حكم الكتاب  ( وتابع مسلم في فضحهم )
فقال ابن زياد : قتلني الله إن لم أقتلك قتلة  لم يقتلها أحد في الإسلام 
فقال مسلم : أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن وإنك لا تدع سوء قتلة وقبح مثلة وخبث سريرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك .....
نحن أمام نص يكشف منهجين واسلوبين نهج يرفع لواء العدل والعمل بكتاب الله ونهج مبتدع لا يتورع عن اي شيء لتوطيد حكمه ونلاحظ كيف يعمد إبن زياد إلى التضليل وتحريف الحقائق وردود مسلم المفحمة التي لم يملك أمامها ابن زياد سوى التهديد المتواصل بالقتل
ونستعرض نص آخر لا يقل أهمية نرى فيه محاولات التشويه العقائدي التي مارسها النظام الأموي نذكره ثم نعلق عليه
روي انه لما أدخل موكب السبايا لقصر الإمارة اقبل ابن زياد على الحوراء زينب (ع) فقال لها شامتاً  : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم
فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا
فقال : كيف رأيت فعل الله  بأخيك وأهل بيتك
فقالت : لم ارى إلا جميلاً هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ٍ ....
مفردات تحتاج الوقوف طويلاً وتأملها بدقة نتوقف عند عبارة ( وأكذب أحدوثتكم ) ففي هذا تكذيب  واضح من إبن زياد لأصل رسالة النبي (ص) لذلك نرى أن الحوراء كان ردها هو تأكيد النبوة (أكرمنا بنبيه ) فلله درّها  بنت أبيها
أما قول ابن زياد (كيف رأيت فعل الله ...) فهنا بعد الطعن في النبوة عمد ابن زياد إلى تحريف عقائدي فنسب جريمته وفعله الشنيع إلى الله  تعالى عن ذلك وهذا ما أصطلح عليه بعقيدة الجبر حتى قيل فيما بعد ان الجبر أموي لإنهم وجدوا في هذه العقيدة ما يناسب ويقوي دعائم حكمهم فكل اعمالهم وجرائمهم ينسبون فعلها إلى الله تعالى فهم مجبورون عليها وليسوا مخيرين فيها وهذا لعمري من أعظم المصائب التي تم تخدير وكيّ وعي الأمة بها
عود على بدء نقول أن ثورة الحسين التي كانت من أجل الناس كانت لها مهمتان
أولاً : إدانة النظام الأموي وفضح أهدافه وغاياته نهائياً وبشكل واضح وجليّ
ثانياً : إيقاظ وعي الأمة وتعميق الشعور بالمسؤولية عندهم لأجل أن تتحرك سيوفهم وفق هوى قلوبهم لا وفق هوى مصالحهم الضيقة والصغيرة فتكون قلوبهم حسينية وسيوفهم أيضاً
ولأن ثورة كربلاء ثورة من أجل الإنسان فلقد كُتب لها أن تبقى حية ونابضة وأن تطوي مراحل التاريخ وتتوقف في كل محطة من محطاته فيشع نورها وتملأ الآفاق فتصبح القدوة والنبراس لكل مظلوم ومضطهد ينشد العدالة هذا ما يريدنا أهل البيت  (ع) احياؤه وهذا هو أمرهم نعم النياحة والبكاء والدموع كلها أمور مطلوبة ومثاب عليها ولكن قيمتها تتجلى في أن تنهمر من العيون لتحفر عميقاً في القلوب والعقول مفاهيم العدالة وإحقاق الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإباء والعزة إن مفاهيم ثورة كربلاء هي تجسيد عملي وفعلي للمفاهيم التي تحدث عنها القرآن الكريم تدبروا سوره وآياته فهو كتاب أنزله الله للناس ومن أجلهم يبدأ أوله بإسم الله (بسم الله الرحمن الرحيم ) وآخره بسورة الناس تأملوا نهج البلاغة لتجدوا أن أكثر ما كان يؤلم علي (ع) هو الظلم الواقع على الناس لقد إنصب جُل همه للدعوة إلى العدل والمساواة بين الناس حتى قيل ان عليّ قتله عدله
هذه محاولة متواضعة حاولت من خلالها سبر اغوار اليسير من مفاهيم هذه الثورة والإغتراف ولو قليلاً من بحرها المتلاطم
اللهم اجعل النور في ابصارنا والبصيرة في ديننا واليقين في قلوبنا والإخلاص في أعمالنا
والحمد لله رب العالمين