الأربعاء، 16 أبريل 2014

البحث عن السعادة




البحث عن السعادة

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

لا يوجد إنسان في هذا الكون إلا ويسعى للوصول إلى هدف يجد فيه مبتغاه ويعتبر أنه يحقق طموحه ومآربه وتطمئن إليه نفسه وهذا الهدف بالنهاية ما هو إلا البحث عن السعادة وإن إختلفت الطموحات والغايات فتبقى السعادة المرجوة هي أصل كل هذه الطموحات والغايات
ولا احد يمكنه أن ينكر أن هذا هو نزعة فطرية أودعها الله في الإنسان إلا أن الإختلاف يكمن في الطرق التي يجب سلوكها للوصول إلى السعادة المرجوة
 وفي عالمنا المعاصر هذا وبالرغم من التطور في مختلف الحقول إلا أن العلماء لم يتمكنوا من تحديد مفهوم السعادة ومعناها والسبل الموصلة إليها فأحد العلماء نقل مئات الأراء المختلفة في السعادة وتحقيقها
ولا نغالي إذا قلنا أن البشرية على مر التاريخ إجتهدت في تحصيل السعادة ولكنها إتخذت سبل شتى فبعضهم سلك طريق الثروة ظاناً أنها السبيل الأوحد وبعضهم إنغمس في الملذات على شتى أنواعها
 ولكن ثمة مجموعات أدركت ان السعادة لا تكمن في الماديات فقط بل في المعنويات أيضاً غير أن فكرها بقي قاصراً ولم تهتدي إلى السبيل فتأرجحت بين الإفراط والتفريط رغم إدراكهم أن الماديات لا تحقق السعادة فلا الإستزادة من الثروة ولا الإستزادة من الملذات الجنسية وغيرها ولا الشهرة والمناصب قادرة على تأمين السعادة الحقيقة فللماديات بريق يخال الإنسان أنها تحقق سعادته وما إن يصلها حتى تتبدد أحلامه ويجد أن ما وصل إليه ما هو إلا سراب والله تعالى يصف في كتابه هذا بتعبير دقيق ورائع فيقول جلّ وعلا

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }
من هنا ندرك أن الطائفة الأخيرة التي فهمت عقم الماديات في الوصول إلى السعادة كان ينقصها شيء واحد أساسي وهو هداية الأنبياء التي بها يتمكن الإنسان من السير في الطريق الصحيح دون أن يقع بالإفراط أو التفريط
وبنظرة سريعة نرى أن التربية الإسلامية إتجهت إلى تحرير الإنسان من الإنشداد إلى الماديات وإتخاذها هدفاً بحد ذاته لأن من يبتغي الدنيا ومتاعها يتنامى في نفسه حرص الإستزادة فلا يشبع ولا يستقر ويعيش القلق والإضطراب الدائم كما روي عن النبي (ص)

 " الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن "

وفي نفس الوقت حرص الإسلام على الحض على العمل والكد وتحصيل الرزق لتحصيل الكفاية في أمر المعاش بدون أن يكون طلب المال هدفاً بذاته وايضاً وضع ضوابط لسائر الغرائز وطرق إشباعها
والنتيجة أن من تصغر الدنيا في عينه لا يعود يأسى على أي شيء يفقده او يتعذر الحصول عليه فلا يعيش المرارة ولا الإضطراب بل يكون مصداق النفس المطمئنة التي ذكرها الله في قوله تعالى

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي{30}

والحمد لله رب العالمين
كفعمي العاملي 
أسألكم الدعاء 

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

لماذا نكره الموت ؟





لماذا نكره الموت ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

إن كراهتنا للموت منشأها بالدرجة الأولى أن الإنسان حسب فطرته التي فطره الله تعالى عليها يحب البقاء والخلود ويتنفر من الفناء والزوال وهذه من أكبر الأدلة على وجود حياة آخرة فالإحساس بالجوع دليل على وجود الطعام والإحساس بالعطش دليل على وجود الماء وهكذا بقية ما اودع في جبّلة الإنسان وفطرته
وحيث أن في فطرة الإنسان هذا الحب وذاك التنفر فإنه يحب ويعشق ما يرى فيه البقاء وحيث أن البعض لا يؤمن بعالم الآخرة والبعض يستدل عليه عقلاً بالدليل ولكن قلبه غير مطمئن نحو الحياة الآخرة فينشأ عن هذا كراهية الموت والخوف منه إن الإطمئنان العقلي يختلف عن الإيمان والإطمئنان القلبي نحن ندرك عقلاً ونصدق أحاديث الانبياء  تعبداً بأن الموت حق ولكن قلوبنا لا تحظى بشيء من هذه المعرفة ولا علم لها عن ذلك بل أن قلوبنا أخلدت إلى أرض الطبيعة فما مدى إيماننا وإعتقادنا القلبي بالآيات التي تتحدث عن المعاد والجنة ووو أو درجة تصديقنا مثلاً لقول أمير المؤمنين (ع) : " إنك مخلوق للآخرة فإعمل لها إنك لم تخلق للدنيا فإزهد فيها "
وفي حديث آخر يشخص لنا الإمام (ع) أبرز أسباب كراهية الموت فقال: " لأنكم خرّبتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب"
إن وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمة جداً في حياته فكلما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة كلما انعكست هذه النظرة على سير حياته سلباً أو إيجاباً فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثم سلوكه وأخلاقه تتأثر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده فهي ليست فكرة عابرة تمر بالخيال وترحل بل هي تكمن في شعوره وعقله الباطني وكيانه النفسي وتطبعه بطابع معين فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل هو الحياة وله دخالة رئيسية في حياة الإنسان وبنائه الروحي والنفسي والعقلي ولا نبالغ إذا قلنا أن التفكير بما بعد الموت هاجس إنساني وسوأل يتبادر إلى أذهان الناس جميعاً بدون تفرقة
قال أمير المؤمنين (ع) :" ذكر الآخرة دواء وشفاء "
يقول أحد علماء النفس أن الخوف من الموت يقود الإنسان إلى طرح الإسئلة لمَ ؟ وإلى أين ؟ ويقول أنه لما كان الناس لم يهتدوا إلى علاج للموت والجهل بما بعده فقد وجدوا أن خير الطرق هي عدم التفكير بهذا او التغافل عنه باشكال متنوعة من اللهو والتسلية وفي الحقيقة أن تناسي الناس لمصيرهم النهائي هو شبيه بفعل النعامة التي تطمر رأسها في التراب وتحسب أن الذئب الآتي لن يراها ولن يأكلها
يقول أحد الفلاسفة :"أن إكتشاف الموت هو الذي ينقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقلي أو البلوغ الروحي "
قال أمير المؤمنين (ع) :" من أصبح والآخرة همه إستغنى بغير مال وإستأنس بغير أهل وعزّ بغير عشيرة "
مما تقدم نقول أنه يجب ان يكون همنا الأساس هو النجاة في اليوم الآخر وهذا لا يمنع أن نوازن بين الدنيا والآخرة فاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل فيجب أن نعمل ونجتهد ليوم لا ينفع فيه إلا العمل وليس كل عمل بل ما كان خالصاً لوجه الله تعالى
وقال (ع):" من أكثر ذكر الآخرة قلت معصيته "
( اللهم إرزقنا خير الدنيا والآخرة وإدفع عنا شرّ الدنيا والآخرة )
أسألكم الدعاء
كفعمي العاملي

الاثنين، 14 أبريل 2014

ما معنى البَداء ؟





ما معنى البَداء ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
{يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }
مسألة البَداء من المسائل التي يتم التشنيع والإفتراء بها على الشيعة فما معنى البداء وهل في كتاب الله تعالى ما يدّل عليها ؟
في البداية نوضح معنى البَداء لإن الكثير من الإفتراءات هي نتيجة الجهل وعدم فهم المعنى الحقيقي للبَداء لغوياً  البَداء بالفتح والمدّ هو ظهور الشيء بعد الخفاء وحصول العلم بعد الجهل وهذا قطعاً ممتنع على الله تعالى  فعندما نطلق هذا الفعل على الله تعالى فليس المقصود أن الله كان خافياً عنه أمراً ما ثم علم به أو ظهر له كما يبدو للناس بل قطعاً كل شيء هو سابق في علم الله تعالى ولكنه أخفاه عن الناس ثم أبداه لهم كما في قوله تعالى
{.....وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ }
 ومن يقول أن الشيعة تقول بغير هذا فقد إفترى كذباً عظيماً والإمامية منه براء
قال الصادق (ع) :" من زعم أن الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فإبرؤوا منه "
ويوضح الصادق (ع) معنى البداء بقوله :" إن لله علمين علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياؤه ونحن نعلمه "
ومثال البداء من كتاب الله تعالى هو قصة إبراهيم (ع) وذبحه إسماعيل (ع)
 فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107}
وقصة نبينا محمد (ص) وأم المؤمنين زينب بن جحش
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً{37}
وأيضاً ما ورد عن الصادق (ع) في قضية الإمام الكاظم (ع) وأخيه إسماعيل
" الله لم يبد له شيء كما بدا له في ابني إسماعيل "
وكذلك الحال في قول الإمام الهادي (ع) لولده الإمام الحسن العسكري  (ع) :
" إن الله أحدث فيك أمراً فأحدث له شكراً "
هذا بإختصار معنى البداء لا أكثر ولا اقل وهو قريب لمعنى النسخ الوارد في كتاب الله
 {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
ولهذا قيل البداء في التكوين كالنسخ في التشريع
وعليه فلا مجال للطعن في الشيعة لقولهم بالبداء والقرآن والسنة تقرر ذلك فالله تعالى لا يبدو له شيء عن جهل بل عن علم نبرأ ممن يدعي غير هذا
ونختم بقول الصادق (ع) : " ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء "
 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كفعمي العاملي